أمريكا – السابعة الإخبارية
رحلت عن عالمنا واحدة من الأسماء التي كتبت تاريخها بالفعل لا بالضجيج، امرأة لم تكن تبحث عن بطولة، لكنها وجدت نفسها في قلب معركة غيّرت وجه الولايات المتحدة إلى الأبد. إنها الناشطة الحقوقية الأمريكية كلوديت كولفن التي أغلقت عينيها عن عمر ناهز 86 عامًا، بعد حياة بدأت بموقف بسيط في حافلة، وانتهت بإرث إنساني لا يُمحى.
في ربيع عام 1955، كانت فتاة في الخامسة عشرة من عمرها، تدرس تاريخ السود، وتجلس في حافلة عامة بولاية ألاباما. لم تكن تعلم أن دقائق قليلة ستفصل بين طفولتها وبين تحوّلها إلى رمز. طُلب منها أن تتخلى عن مقعدها لامرأة بيضاء، كما كان يفرض نظام الفصل العنصري آنذاك، لكنها رفضت. لم تصرخ، لم تُشعل شجارًا، فقط بقيت جالسة.
ذلك “الجلوس” كان كافيًا ليُشعل مواجهة مباشرة مع منظومة كاملة من التمييز والقهر.

تم توقيفها في مدينة مونتغمري بتهمة الإخلال بالنظام العام، وقضت فترة قصيرة في السجن. كانت لحظة قاسية على فتاة في مقتبل العمر، لكنها لاحقًا وصفت ما حدث بقولها إن “التاريخ هو من أبقاها ملتصقة بالمقعد”. عبارة تختصر وعيًا مبكرًا بأن الظلم لا يُهزم دائمًا بالصوت العالي، بل أحيانًا بالثبات.
بعد عام واحد فقط، لم تعد تلك الفتاة مجرد اسم في محضر شرطة، بل أصبحت واحدة من أربع نساء سوداوات قدمن دعوى قضائية تاريخية ضد الفصل العنصري في وسائل النقل العام. القضية لم تكن شخصية، بل كانت صرخة قانونية باسم الملايين. ومع صدور الحكم لصالحهن، بدأ جدار التمييز في الحافلات يتصدع، ثم ينهار تدريجيًا في القطارات والطائرات وسيارات الأجرة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من هذا الدور المفصلي، ظل اسمها لسنوات طويلة في الظل، بعيدًا عن الأضواء، وكأن التاريخ اختار أن يحتفظ بها كورقة أخلاقية لا كعنوان عريض. لكنها لم تبدُ يومًا منزعجة من ذلك. ففي حديث لها مع صحافيين في باريس عام 2023، قالت بهدوء إن رفضها لم يكن بدافع التحدي، بل لأن المرأة البيضاء “كان بإمكانها الجلوس في مقعد آخر”، لكنها رفضت لأن القرب من شخص أسود كان مرفوضًا اجتماعيًا آنذاك.
مؤسستها، التي أعلنت خبر الوفاة، أكدت أن الراحلة “تترك وراءها إرثًا من الشجاعة ساهم في تغيير مسار التاريخ الأمريكي”. إرث لا يُقاس بعدد الخطب أو الجوائز، بل بقدرة موقف واحد على فتح باب العدالة أمام أجيال كاملة.
اليوم، برحيلها، لا تُغلق صفحة من الماضي، بل تُعاد قراءتها من جديد. قصة فتاة جلست في مكانها، فوقف معها التاريخ. قصة تُذكّر العالم بأن التغيير الكبير قد يبدأ أحيانًا من قرار صغير… ومن مقعد في حافلة.

