لبنان، محمد الصو – السابعة الاخبارية
رحيل هلي الرحباني، رحل عن عالمنا، يوم الخميس، رحيل هلي الرحباني، الابن الأصغر للفنانة اللبنانية الكبيرة فيروز، بعد معاناة طويلة مع المرض، ليغلق بذلك صفحة إنسانية عميقة ظلت بعيدة عن الأضواء طوال حياته، لكنها كانت حاضرة بقوة في حياة واحدة من أهم أيقونات الغناء العربي.
وُلد هلي الرحباني عام 1958، مع إعاقات ذهنية وحركية، في زمن لم تكن فيه التقديرات الطبية متفائلة بشأن بقائه على قيد الحياة. ومع ذلك، نجح في تحدي هذه الصعوبات بفضل الرعاية الدائمة والحب غير المشروط من والدته، التي جعلت من صحته وسعادته أولوية مطلقة، بعيداً عن الأضواء والصخب الإعلامي.
رحيل هلي الرحباني.. فيروز وأمومة غير مشروطة
اتسمت علاقة فيروز بابنها هلي بطابع فريد من الحب والصبر. اختارت النجمة اللبنانية أن تُبعده عن كاميرات الإعلام، وأن تحيطه بعالم من الخصوصية والسكينة، فكبر بعيداً عن الشهرة، محاطاً بحنان أم لم تعتبر حالته عبئاً، بل جزءاً أصيلاً من حياتها ورسالتها الإنسانية.
الرحلة التي عاشتها فيروز مع ابنها ليست مجرد قصة أمومة عادية، بل نموذج لصبر وإرادة نادرة. فقد تمكنت من توفير حياة كريمة لهلي، وسط تحديات صحية كبيرة، في زمن لم تكن فيه البنى التحتية أو التقديرات الطبية داعمة أو متفائلة للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة.

الحياة خلف الكواليس: الصمت والحنان
ظل هلي الرحباني بعيدا عن الأنظار، محاطاً بعائلة تحرص على حمايته. وعبر سنوات طويلة، تمكنت فيروز من تحقيق توازن نادر بين حياتها الفنية ومسؤوليتها الإنسانية تجاه ابنها. فقد عاشت حياة مليئة بالتحديات الشخصية، من بينها فقدان زوجها الفنان الكبير عاصي الرحباني في سن مبكرة، وتحملت مسؤولية تربية ابنها المريض وحمايته من أي تدخلات خارجية أو فضول إعلامي.
المخرجة ريما الرحباني كشفت سابقاً جانباً من حياة والدتها، مؤكدة وجود شقيق من ذوي الاحتياجات الخاصة، تجاوز عمره الستين عاماً، عاش حياته كلها في كنف والدته، محاطاً بحبها وحنانها، بعيداً عن الضوضاء والشهرة التي أحاطت ببقية أفراد الأسرة.
تحديات وصبر استثنائي
الحياة لم تكن سهلة على فيروز، فقد واجهت ابتلاءات متتالية منذ وفاة زوجها، مروراً بتحديات تربية هلي، وصولاً إلى موازنة مسيرتها الفنية مع احتياجات ابنها اليومية. ومع ذلك، كانت فيروز نموذجاً للقوة والصبر، قادرة على منح ابنها كل الرعاية دون أن يطغى ذلك على حياتها أو مسيرتها الفنية.
هلي الرحباني عاش حياة صامتة، لكنها مؤثرة، حيث أبرزت العلاقة بين الأم وطفلها المعاق كيف يمكن للحب والاهتمام أن يتجاوز كل الصعوبات، ويخلق حياة مليئة بالكرامة والاحترام، رغم كل الظروف.
إرث إنساني يتجاوز الفن
على الرغم من أن هلي لم يكن محوراً للأضواء، فإن وجوده في حياة فيروز أعطى للعالم درساً إنسانياً عميقاً. فقد أظهرت العلاقة بينهما أن الحب والرعاية لا يُقاسان بالشهرة أو الإنجازات العامة، بل بالالتزام المستمر والاهتمام العميق بالحياة الإنسانية.
العديد من محبي فيروز لم يعرفوا عن هلي الرحباني إلا عبر تصريحات قليلة أو لمحات نادرة من العائلة، لكنه ظل جزءاً من قصتها الإنسانية والفنية، رمزاً للصبر والإيمان بحياة مليئة بالحب، حتى في أصعب الظروف.
تقدير للعائلة والصمت الكبير
اختارت فيروز وعائلتها أن يعيش هلي في خصوصية تامة، بعيداً عن الإعلام، ما سمح له بحياة مستقرة، وإن كانت محدودة الحركية والاجتماعية. هذا الصمت اختُتم بوفاته يوم الخميس، لكنه يترك إرثاً إنسانياً قيماً، يعكس صبر الأمومة وحجم التضحيات التي يمكن أن تقوم بها الأم من أجل أبنائها، دون أي أضواء أو شهرة.
التحديات الطبية والاجتماعية في حياة هلي
كان هلي يعاني منذ الطفولة من إعاقات جعلت فرصه للبقاء في الحياة محدودة، في وقت لم يكن فيه الدعم الطبي والاجتماعي متاحاً كما هو الحال اليوم. ومع ذلك، فإن صبر فيروز وعزيمتها في تربية ابنها شكّلا مثالاً نادراً على كيف يمكن للرعاية الإنسانية أن تتجاوز كل الصعوبات الطبية والاجتماعية، وأن تمنح الحياة معنى حقيقياً للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
الرحلة الطويلة والحياة اليومية
عاش هلي الرحباني حياة بسيطة مليئة بالحب والاهتمام، بعيداً عن صخب النجومية التي رافقت والدته وشقيقه الأكبر، وتضمن حياته اليومية اهتماماً طبيبياً مستمراً، ورعاية عاطفية عميقة، مكنت الأسرة من التعامل مع حالته بشكل إنساني يحافظ على كرامته.
إرث الأمومة والصبر
قصة هلي الرحباني ليست مجرد خبر عن وفاة شخص، بل هي شهادة على صبر الأمومة وقوة الحب غير المشروط. لقد قدمت فيروز مثالاً حياً على التزام الإنسان تجاه أحبائه، وكيف يمكن للصبر والحنان أن يغيّر حياة من نحبهم، حتى في أصعب الظروف الصحية والاجتماعية.
ختام صفحة مؤثرة في حياة فيروز
مع رحيل هلي الرحباني، تُغلق صفحة طويلة من الصبر والحنان في حياة فيروز، صفحة لم يعرفها الجمهور بشكل مباشر، لكنها شكلت جزءاً أساسياً من حياتها الإنسانية والفنية. ولعل ما يميز هذه القصة هو الصمت الكبير الذي أحاط بها، والتضحيات اليومية التي قدمتها الأم في سبيل ابنها، لتؤكد أن أسمى أشكال الحب هو الصبر والرعاية المتواصلة، بعيداً عن الأضواء والشهرة.

هلي الرحباني لم يكن مجرد ابن، بل كان جزءاً من إرث إنساني حي، يعكس معنى الأمومة الحقيقي، ورسالة إنسانية للعالم، بأن الحب والصبر قادران على خلق حياة كاملة، رغم كل التحديات.
