لبنان – السابعة الإخبارية
زياد الرحباني.. أعاد مغني الراب الفلسطيني «شب جديد» إحياء ذكر الموسيقار والمسرحي اللبناني الراحل زياد الرحباني، حين استحضره ضمن قائمة الأسماء التي تركت أثرًا عميقًا في مسيرته الفنية، ليذكّر الجمهور بجسر ممتد بين أجيال مختلفة من الفن الملتزم، من زمن الأغنية السياسية والمسرح الساخر إلى عالم الراب المعاصر.
الراب كصوت احتجاجي
في حديثه الصحفي الأخير، أوضح «شب جديد» أن انجذابه الأكبر إلى تجربة الشاعر العراقي مظفّر النواب يعود إلى نزعة الرفض والتمرّد التي طبعت شعره. وأضاف: «أحب الشيخ إمام وأغنيات أحمد فؤاد نجم، ورحم الله زياد الرحباني، أحبه وأقدّر رفضه».
هذه الإشارة لم تكن مجرد مجاملة، بل عكست رؤية فنية تعتبر الراب وسيلة لاستكمال مشروع طويل من الأغنية الاحتجاجية، التي حملت هموم الناس وصوتهم في مواجهة القهر السياسي والاجتماعي.
وتابع الرابر الفلسطيني: «الراب بالنسبة لي مش ترف.. أنا كبرت وسط الحرب، وأستخدم الراب كأبسط وسيلة لنقل الفكرة. بحطالسماعات وبصرخ وبفجّر، والجمهور بيفرح».
هنا يظهر البُعد النفسي للراب: ليس فقط فنًا استعراضيًا، بل وسيلة للتنفيس، لتفريغ الغضب الشخصي والجماعي وتحويله إلى طاقة فنية يتشاركها مع الجمهور.

زياد الرحباني.. موسيقى وسخرية سياسية
تصريحات «شب جديد» أعادت الضوء إلى مسيرة زياد الرحباني، الذي رحل مؤخرًا عن عمر ناهز 69 عامًا، تاركًا وراءه إرثًا فنيًا متفرّدًا. فقد شكّل الرحباني حالة استثنائية في الموسيقى والمسرح العربيين، إذ جمع بين الأصالة الشرقية والجاز الغربي ليخلق هوية موسيقية خاصة، امتدت لأكثر من خمسة عقود.
منذ بداياته المبكرة، حين لحّن لوالدته فيروز أغنية «سألوني الناس» وهو في السابعة عشرة، برزت موهبته بوصفها امتدادًا للإبداع الرحباني، لكن بصوت مختلف أكثر تمرّدًا. فبينما حملت فيروز صورة الحلم والصفاء، اتجه زياد إلى مواجهة الواقع اللبناني والعربي بمزيج من الموسيقى الساخرة والنقد السياسي اللاذع.
مسرحياته مثل «بالنسبة لبكرا شو» و*«فيلم أميركي طويل»* شكّلت مرآة للواقع اليومي خلال الحرب الأهلية اللبنانية، حيث امتزجت الكوميديا السوداء مع نقد الفساد والطائفية، ما جعله أيقونة للفن الملتزم الذي لا يهادن.
جسر بين جيلين: من الرحباني إلى «شب جديد»
اللافت في استحضار اسم زياد الرحباني من قبل «شب جديد» هو ذلك الرابط الخفي بين عالمين موسيقيين يبدوان متباعدين: المسرح الغنائي والجاز من جهة، والراب والبيتات الإلكترونية من جهة أخرى. لكن ما يجمعهما هو روح الرفض والقدرة على تحويل الفن إلى وسيلة للمقاومة الثقافية.
فكما كان الرحباني يواجه الحرب الأهلية وأزماتها عبر موسيقاه الساخرة، يجد الرابر الفلسطيني نفسه اليوم أمام واقع مشابه من صراع واحتلال وحروب متكررة، فيلجأ إلى الراب كصوت معاصر يترجم التجربة اليومية لجيل يعيش تحت ضغط متواصل.
الراب هنا ليس استيرادًا غربيًا فحسب، بل امتداد لتقليد عربي طويل من الأغنية السياسية التي جسّدها الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، واستكملها زياد الرحباني بطريقته الخاصة.

أثر الرحباني في الذاكرة الجماعية
برحيل زياد الرحباني، خسر العالم العربي أحد أبرز المجددين في الموسيقى والمسرح. لكن ذكراه لا تزال حيّة في وجدان الجمهور، خصوصًا أولئك الذين يرون في فنه نموذجًا للمثقف الذي لم ينعزل عن قضايا الناس.
زياد لم يكن مجرد موسيقي، بل شاهدًا على عصره، جمع في شخصيته التناقضات اللبنانية: بين الفرح والحزن، الأمل واليأس، الرومانسية والواقعية القاسية.
أعماله الموسيقية ما زالت تتردّد حتى اليوم، ومسرحياته لا تزال تُقتبس وتُعرض، لأنها تجاوزت إطارها الزمني لتصبح وثائق حيّة عن المجتمع العربي.
الراب كامتداد للأغنية الملتزمة
حين يقول «شب جديد» إنه يضع السماعات ويصرخ ليفجّر ما بداخله، فهو يعيد إلى الأذهان فكرة الأغنية كوسيلة للتحرر والتطهير.
هذا بالضبط ما كان يفعله زياد الرحباني حين يواجه السياسة بالسخرية، أو ما عبّر عنه مظفر النواب بشعره المتمرّد.
هكذا يبدو الراب العربي اليوم، في تجارب مثل «شب جديد»، امتدادًا طبيعيًا لتاريخ طويل من الأغنية الملتزمة، لكنه يستخدم أدوات جديدة تتناسب مع إيقاع العصر ولغة الشباب.
في لحظة استحضاره لاسم زياد الرحباني، لم يكتفِ «شب جديد» بالإشارة إلى موسيقي كبير، بل أعاد التذكير بأن الفن الحقيقي لا ينفصل عن الواقع.
من بيروت إلى غزة، ومن أغاني الجاز إلى إيقاعات الراب، يظل الخيط الرابط هو التمرّد على القهر، والبحث عن الحرية عبر الفن.
زياد الرحباني غاب جسدًا، لكنه حاضر في ذاكرة جيل جديد من الفنانين الذين يرون في تجربته مرجعًا ملهمًا. و«شب جديد» واحد من هؤلاء الذين يحملون الراية، ليؤكد أن الأغنية الملتزمة لم تنتهِ، بل غيّرت شكلها وأدواتها، وظلّت تنبض بروح الرفض ذاتها.
