الصين، محمد الصو – السابعة الاخبارية
لابوبو، تواجه ألعاب لابوبو الشهيرة، التي حققت انتشارًا واسعًا على مستوى العالم خلال العام الماضي، موجة انتقادات حادة بعد كشف منظمة غير حكومية حقوقية عن مزاعم خطيرة تتعلق باستغلال العمال، بينهم قاصرون، في مصانع صينية تنتج هذه الألعاب الرائجة.
وتضع هذه الاتهامات، شركة بوب مارت المنتجة للدمى الفروية لشهرتها العالمية، أمام اختبار حقيقي لالتزامها بحقوق العمال في سلسلة التوريد، خصوصًا أن هذه القضية تتعلق بسلامة وحقوق فئة عمرية هشة.
لابوبو وتحقيق “مراقبة العمل في الصين” يكشف الانتهاكات
أجرت منظمة “مراقبة العمل في الصين” تحقيقًا موسعًا في مصنع شونجيا تويز بمقاطعة شينفنغ في إقليم جيانغشي جنوب شرق الصين، واستمر التحقيق ثلاثة أشهر خلال عام 2025. وأجرى المحققون مقابلات مع أكثر من 50 عاملًا، بينهم ثلاثة قاصرين دون سن 18 عامًا، جميعهم يعملون في إنتاج ألعاب لابوبو بشكل حصري.
وأكدت المنظمة أن المصنع يوظف عمالًا تتراوح أعمارهم بين 16 و18 عامًا، وهو العمر الذي يسمح القانون الصيني بتوظيفهم بشرط حماية خاصة، مثل عدم تكليفهم بالأعمال الخطرة أو الشاقة. لكن التحقيق كشف أن هؤلاء القاصرين كانوا يؤديون نفس مهام العمال البالغين، بنفس الأهداف الإنتاجية، دون أي مراعاة لأعمارهم أو قدرتهم البدنية.
وأضافت المنظمة أن العمال القاصرين لم يكونوا على دراية بطبيعة العقود التي وقعوا عليها، ولم يكن لديهم فهم واضح لوضعهم القانوني أو حقوقهم، ما يعكس تجاهل المصنع لأي معايير أساسية لحماية العمال الشباب.

عقود عمل فارغة وضغوط إنتاجية غير واقعية
أحد أبرز الانتهاكات التي وثقها التحقيق كان إجبار العمال على توقيع عقود عمل “فارغة”، حيث طُلب منهم إدخال بياناتهم الشخصية فقط، بينما تُركت البنود الأساسية مثل مدة العقد وطبيعة العمل والأجر والتأمينات الاجتماعية غير مفسرة أو غير مملوءة.
وأوضحت المنظمة أن العمال لم يُمنحوا سوى دقائق معدودة لتوقيع هذه العقود، وطُلب منهم صراحة عدم قراءة أو إكمال بقية البنود، ما جعلهم في وضع هش وقانوني غامض.
إضافة إلى ذلك، أفاد العمال بفرض أهداف إنتاج مرتفعة وغير واقعية، حيث يُطلب من فرق تتراوح بين 25 و30 عاملًا تجميع ما لا يقل عن 4000 لعبة يوميًا. هذا المستوى من الضغط، وفق التحقيق، يخلق بيئة عمل استثنائية وغير صحية، تزيد من احتمالية الإصابات الجسدية والإرهاق النفسي، خاصة لدى العمال القاصرين.
وعلى الرغم من أن قانون العمل الصيني يحدد سقف ساعات العمل الإضافية بـ36 ساعة شهريًا، أظهر التحقيق أن العمال يعملون في كثير من الأحيان أكثر من 100 ساعة إضافية شهريًا، بما يتجاوز المعايير القانونية بشكل صارخ.
شهادات العمال: معاناة يومية وحياة بلا حماية
خلال المقابلات، عبر العديد من العمال عن شعورهم بالضغط النفسي والجسدي المستمر، مؤكدين أن بيئة العمل تتسم بانعدام المرونة والتجاهل التام لاحتياجات العمال. وأوضح بعض القاصرين أنهم يضطرون للعمل لساعات طويلة مع التعب المستمر، وأن المطالب الإنتاجية العالية تجعلهم في حالة من القلق الدائم، حتى خارج ساعات العمل الرسمية.
كما أشاروا إلى أن غياب إشراف مستقل على ظروف العمل يضاعف من صعوبة المطالبة بحقوقهم، وأن أي محاولة للتحدث عن المخالفات أو طلب تحسين ظروف العمل يتم التعامل معها بشكل سلبي أو بتجاهل تام.
بوب مارت ترد: تحقيق داخلي ومراجعة شاملة
في المقابل، أصدرت شركة بوب مارت بيانًا رسميًا أكدت فيه التزامها “بأهمية قصوى لرفاهية وسلامة العمال” في مصانع مورديها، مشيرة إلى أنها تجري عمليات تدقيق دورية تشمل مراجعات مستقلة من جهات دولية معترف بها.
وأوضحت الشركة أنها “تقدّر المعلومات التي تم لفت انتباهنا إليها”، وأنها بدأت على الفور تحقيقًا داخليًا حول هذه الادعاءات. وأكد البيان أن أي مخالفة يتم ثبوتها ستؤدي إلى اتخاذ إجراءات تصحيحية شاملة، بما يتوافق مع القوانين المحلية والمعايير الدولية.
هذا الرد يشير إلى وعي الشركة بأهمية معالجة الاتهامات بسرعة للحفاظ على سمعتها العالمية، خصوصًا في ظل الانتشار الواسع لألعاب لابوبو وتأثيرها الكبير على الأسواق الدولية.
حقوق القاصرين في قلب الجدل
تبرز هذه القضية مسألة حماية القاصرين في بيئات العمل، خصوصًا في الصناعات التي تعتمد على الإنتاج المكثف وتوفير منتجات تجذب الأطفال والمراهقين. ويشير القانون الصيني إلى ضرورة عدم تكليف القاصرين بأعمال شاقة أو خطرة، وهو ما ينطبق بشكل مباشر على بيئة تصنيع الألعاب.
ويرى خبراء حقوقيون أن ما كشفه التحقيق يشكل انتهاكًا صريحًا لهذه القوانين، ويجب على الشركات الدولية مثل بوب مارت ضمان الرقابة المستمرة على مورديها، وعدم الاكتفاء بالمراجعات النظرية أو الدورية، بل التحقق الفعلي من ظروف العمل اليومية.
ضغوط الإنتاج مقابل المسؤولية الأخلاقية
تطرح القضية أيضًا تساؤلات عن التوازن بين تحقيق الأرباح والنجاح التجاري، وبين الالتزام بالمسؤولية الأخلاقية تجاه العمال، خصوصًا الأطفال منهم. فالنجاح العالمي لألعاب لابوبو لا ينبغي أن يتحقق على حساب حقوق القاصرين أو صحة العمال الجسدية والنفسية.
ويشير محللون إلى أن الشركات الكبرى اليوم تواجه ضغطًا عالميًا لتطبيق معايير عمل أخلاقية، وأن تجاهل هذه المعايير يمكن أن يؤدي إلى أضرار كبيرة في السمعة والمبيعات، لا تقل أهمية عن الأضرار القانونية والمالية.
خاتمة: لابوبو بين الشعبية العالمية والمسؤولية الاجتماعية
تمثل هذه الاتهامات فرصة لشركة بوب مارت لإعادة النظر في سياسات المورّدين والمراقبة على سلاسل الإنتاج، والتأكد من احترام حقوق العمال والقاصرين على حد سواء. كما تشكل تذكيرًا لجميع الشركات العالمية بأن النجاح التجاري لا يمكن أن يكون على حساب القيم الإنسانية الأساسية، وأن الشفافية والمساءلة أصبحتا مطلبًا جماهيريًا وقانونيًا في آن واحد.

ويبقى السؤال الأهم: هل ستنجح بوب مارت في إصلاح أوضاع مصانعها وضمان بيئة عمل آمنة للقاصرين والبالغين، أم ستستمر الانتهاكات في ظل الإنتاج المكثف وطلبات السوق العالمية؟ الوقت وحده كفيل بالإجابة، لكن القضية بلا شك أوقفت العالم عند مسؤوليات الشركات تجاه العمال، وأبرزت ضرورة اتخاذ إجراءات سريعة وفعّالة قبل أن تتحول الشعبية إلى جدل وفضائح لا تُغتفر.
