الإمارات، محمد الصو – السابعة الاخبارية
مؤسسة الإمارات للدواء، في خطوة وُصفت بأنها الأبرز منذ سنوات في تنظيم سوق الدواء، أعلنت مؤسسة الإمارات للدواء تفعيل آلية جديدة تُلزم شركات الأدوية بتعيين أكثر من وكيل لكل منتج طبي يتم تداوله داخل الدولة، في توجه واضح لكسر الاحتكار وتعزيز التنافسية. القرار لم يأتِ بمعزل عن سياق أوسع يتعلق بضبط الأسعار، وضمان استقرار الإمدادات، وتعزيز الأمن الدوائي الوطني، في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بسلاسل التوريد العالمية وارتفاع كلفة الأدوية، خصوصاً المبتكرة وأدوية الأمراض المزمنة.
عرض هذا المنشور على Instagram
مؤسسة الإمارات للدواء وانخفاض مرتقب في الأسعار يصل إلى 20%
صيادلة وخبراء في القطاع أكدوا أن تعدد الوكلاء سيقود عملياً إلى خلق منافسة سعرية مباشرة، وهو ما قد ينعكس بانخفاض متوسط الأسعار بنسبة تصل إلى 20%، خاصة في الأدوية التي كانت تخضع لوكيل حصري واحد. وأوضحوا أن وجود أكثر من موزع للمنتج نفسه يمنع التحكم في الكميات المعروضة، ويحد من فرص رفع الأسعار أو تأخير التوريد، كما يعزز قدرة الصيدليات والمستشفيات على التفاوض وتحقيق أفضل شروط الشراء، وهو ما يصب في مصلحة المريض في المقام الأول.
سبع مكاسب استراتيجية لسوق الدواء
رصد مختصون سبع فوائد رئيسة للقرار، تبدأ بحماية الحق في الصحة وضمان توافر العلاج في الوقت المناسب، مروراً بضبط الأسعار وتعزيز القدرة الشرائية، وصولاً إلى استقرار سلاسل الإمداد. كما يسهم القرار في تشجيع المنافسة العادلة، وتقليل الحواجز أمام المستثمرين المواطنين الراغبين في دخول السوق، والحد من تضارب المصالح والممارسات غير المشروعة، إضافة إلى تحقيق المصلحة العامة عبر توزيع القوة السوقية ومنع تركزها في يد جهة واحدة.

الأمن الدوائي أولوية وطنية
أعضاء في المجلس الوطني الاتحادي أكدوا أن القرار يتماشى مع توجهات الدولة لتعزيز الأمن الوطني للصناعات الدوائية، والتصدي للممارسات الاحتكارية، وخفض أسعار الأدوية، وتحفيز التصنيع المحلي. وأشاروا إلى أن تعدد الوكلاء لا يقتصر على البعد التجاري، بل يمتد ليشمل بعداً سيادياً يتعلق بضمان عدم انقطاع الإمدادات في حالات الطوارئ أو الأزمات، بما يعزز قدرة الدولة على إدارة المخاطر الصحية بكفاءة واستقلالية.
تشجيع الاستثمار وتوسيع قاعدة السوق
برلمانيون اعتبروا أن القرار يفتح المجال أمام شركات وطنية جديدة للدخول إلى قطاع توزيع الأدوية، بعد أن كانت بعض المنتجات حبيسة عقود حصرية طويلة الأمد. توفير تكافؤ الفرص يعزز ثقة المستثمرين المواطنين، ويخلق بيئة أكثر جذباً لرؤوس الأموال، كما يسهم في تحقيق أرباح مستدامة عبر سوق أوسع وأكثر شفافية. ويؤكد مختصون أن إزالة الحواجز الاحتكارية تمثل خطوة محورية نحو بناء قطاع دوائي تنافسي ومتوازن.
ضوابط رقابية لمنع التحايل
في المقابل، شدد خبراء على ضرورة وضع آليات رقابية صارمة تحول دون أي تحايل على القرار، مثل قيام وكلاء حاليين بإنشاء شركات جديدة بأسماء مختلفة لتسجيلها كوكلاء إضافيين للمنتج ذاته، بما يؤدي عملياً إلى استمرار الاحتكار. وأوصوا بفرض جزاءات رادعة في حال ثبوت التواطؤ أو إساءة استغلال الوضع المهيمن، لضمان أن تتحقق أهداف القرار فعلياً على أرض الواقع، وليس شكلياً فقط.
الأساس القانوني وحماية المنافسة
من الناحية القانونية، يتكامل القرار مع أحكام المرسوم بقانون اتحادي رقم 36 لسنة 2023 بشأن تنظيم المنافسة الذي يحظر الاتفاقات والممارسات المقيدة للمنافسة أو إساءة استغلال الوضع المهيمن في السوق. خبراء قانونيون أوضحوا أن حرية التعاقد، رغم كونها مبدأ راسخاً، ليست مطلقة، بل تقف عند حدود النظام العام والمصلحة العامة. وعليه، فإن فرض تعدد الوكلاء يُعد قيداً تنظيمياً مشروعاً يهدف إلى حماية الصحة العامة وتعزيز التنافسية، ولا يمثل انتقاصاً غير مبرر من حرية الشركات في اختيار شركائها.
نحو توطين الصناعة والاستزراع الحيوي
القرار يتقاطع أيضاً مع مسار توطين صناعة الدواء، عبر دعم التصنيع المحلي والبحث العلمي، خاصة في مجالات التكنولوجيا الحيوية والاستزراع الدوائي. مقترحات برلمانية دعت إلى إنشاء بنوك جينية ومحطات استزراع تحفظ الأصول الحيوية، وتأسيس مزارع بيولوجية متخصصة لإنتاج مركبات دوائية نادرة، والاستفادة من النباتات الطبية المحلية ضمن بيئات محمية لضمان جودة عالية. كما جرى التأكيد على أهمية دعم تقنيات الاستزراع الخلوي والهندسة الوراثية لإنتاج الأدوية البيولوجية، بما يعزز مكانة الدولة مركزاً إقليمياً متقدماً في الابتكار الدوائي.
برنامج وطني للبحوث وشراكات عالمية
في سياق متصل، طُرحت مقترحات لإطلاق برنامج وطني للبحوث الدوائية بالشراكة مع الجامعات البحثية، واستقطاب الشركات العالمية للتصنيع داخل الدولة بدلاً من الاكتفاء بمكاتب تمثيل أو تصنيع بالوكالة. هذا التوجه يسهم في تخفيف فاتورة الاستيراد على المدى المتوسط والطويل، ويولد قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، ويضع قطاع الدواء في مصاف القطاعات الاستراتيجية التي تحظى بأولوية مماثلة للأمن الغذائي والمائي.
آليات لضمان الالتزام الفعلي
لتأمين التطبيق العملي للقرار، اقترح قانونيون ربط تجديد تسجيل المنتج سنوياً باستمرار وجود أكثر من وكيل فعلي يمارس النشاط، ومنع تسجيل وكلاء تربطهم علاقة ملكية مباشرة أو غير مباشرة، وإنشاء قاعدة بيانات مركزية توضح أسماء الوكلاء وهيكل الملكية لكل منتج. كما شددوا على ضرورة منع العقود الحصرية المطلقة، وضمان توزيع الحصص السوقية بشكل متوازن بين الوكلاء، مع إمكانية تعليق أو إلغاء ترخيص الوكيل المخالف أو شطب تسجيل المنتج مؤقتاً إذا ثبتت ممارسات احتكارية متعمدة.

منظومة دوائية أكثر توازناً واستدامة
في المجمل، يمثل قرار مؤسسة الإمارات للدواء تحولاً نوعياً في فلسفة تنظيم سوق الدواء، إذ يجمع بين البعد الصحي والبعد التنافسي ضمن إطار قانوني متكامل. تعدد الوكلاء لا يعني فقط خفض الأسعار، بل يؤسس لبيئة أكثر استقراراً وعدالة، ويعزز ثقة المستثمرين، ويحمي حق المرضى في الحصول على علاج آمن ومتاح. ومع استكمال المنظومة الرقابية والداعمة للتصنيع المحلي، تقترب الدولة من بناء قطاع دوائي مستدام، قادر على مواجهة التحديات العالمية، وتحقيق أمن دوائي راسخ يخدم الأجيال القادمة.
