دبي، محمد الصو – السابعة الاخبارية
متحف المستقبل، في محطة جديدة تعكس حضوره المتصاعد على خريطة الابتكار العالمية، يحتفل متحف المستقبل بمرور أربع سنوات على افتتاحه في دبي، بعدما استقبل ما يقارب خمسة ملايين زائر منذ تدشينه في 22 فبراير 2022. هذا الرقم لا يمثل مجرد إحصائية، بل يعكس مكانة متحف المستقبل كمنصة عالمية تستشرف الغد، وتجمع العقول والخبرات لصناعة حلول عملية لتحديات العالم المقبلة.
عرض هذا المنشور على Instagram
منذ اليوم الأول لافتتاحه، لم يكن متحف المستقبل مجرد معلم معماري مبهر، بل مشروعًا فكريًا طموحًا يسعى إلى تحويل الأسئلة الكبرى حول المستقبل إلى مسارات عمل واقعية، وبرامج ومبادرات تعزز جاهزية المجتمعات لعالم سريع التغير.
متحف المستقبل.. رؤية تتحول إلى واقع
يرتكز متحف المستقبل على رؤية واضحة قوامها أن تصميم المستقبل لا ينتظر، بل يُصنع عبر التخطيط والعمل المشترك. هذه الرؤية تجسدت في توجهات دبي ودولة الإمارات نحو الاستثمار في المعرفة والابتكار، وتحويل مفاهيم الاستشراف إلى سياسات ومبادرات عملية.
المتحف لم يكتفِ بعرض تصورات نظرية، بل عمل كمختبر حي يجمع بين الباحثين وصناع القرار ورواد الأعمال، لطرح أسئلة جوهرية حول التكنولوجيا، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، والمدن المستدامة. ومن خلال هذا التفاعل، أصبح منصة عالمية للحوار والعمل، لا مجرد مساحة للعرض.
![]()
متحف المستقبل.. أرقام تعكس التأثير
خلال أربعة أعوام، استضاف متحف المستقبل 620 فعالية تنوعت بين مؤتمرات وندوات وجلسات نقاش رفيعة المستوى، تناولت موضوعات محورية مثل الذكاء الاصطناعي، ومستقبل العمل، والرعاية الصحية، والاقتصاد الرقمي، والتكنولوجيا المتقدمة، والفنون.
كما نظم 224 برنامجًا تعليميًا وورشة عمل وتجربة تفاعلية، استهدفت مختلف الفئات العمرية، من الطلبة إلى القيادات التنفيذية، في إطار نشر ثقافة الاستشراف وبناء القدرات المستقبلية. هذه البرامج لم تقتصر على الجانب النظري، بل ركزت على التطبيق العملي وتنمية المهارات المرتبطة بعالم الغد.
وفي عام 2025 وحده، استقبل المتحف تسعة رؤساء دول و46 وزيرًا ضمن زيارات رسمية، إضافة إلى وفود حكومية ودبلوماسية من أنحاء متعددة من العالم، ما عزز مكانته كمنصة للحوار الدولي وصناعة التوافقات حول القضايا المستقبلية.
متحف المستقبل ومنتدى دبي للمستقبل
من أبرز المبادرات التي يحتضنها المتحف، منتدى دبي للمستقبل، الذي يُعرف بكونه أحد أكبر التجمعات العالمية للمستقبليين والخبراء في الدراسات المستقبلية. هذا المنتدى يجمع سنويًا مئات المتخصصين لمناقشة الاتجاهات الكبرى والتحولات العالمية، وتبادل الرؤى حول السيناريوهات المحتملة للعقود المقبلة.
كما يواصل المتحف تنظيم سلسلة “حوارات المستقبل”، التي تستضيف مفكرين وصناع قرار وخبراء دوليين لمناقشة قضايا متنوعة تمتد من التكنولوجيا المتقدمة إلى الثقافة والفنون والاستدامة. هذه الحوارات تعكس تنوع اهتمامات المتحف، وحرصه على الربط بين الابتكار والبعد الإنساني.
متحف المستقبل ومبادرة العقول العربية العظيمة
ضمن جهوده لتعزيز الحضور العربي في مشهد الابتكار العالمي، أطلق المتحف مبادرة “العقول العربية العظيمة”، الهادفة إلى تسليط الضوء على الكفاءات العربية المؤثرة عالميًا، وإعادة تنشيط دور المنطقة في صياغة مستقبل البشرية.
وقد جرى تكريم 18 عالمًا وشخصية عربية عبر ثلاث دورات من المبادرة، في مجالات متعددة تشمل العلوم والتكنولوجيا والطب والهندسة والاقتصاد. هذه الخطوة تعكس إيمان المتحف بأن الاستثمار في الإنسان هو الأساس الحقيقي لأي نهضة مستقبلية.
متحف المستقبل.. عمارة تتحدث بلغة الابتكار
لا يمكن الحديث عن متحف المستقبل دون التوقف عند تصميمه المعماري الفريد، الذي أصبح أحد أبرز معالم دبي. يبلغ ارتفاع المبنى 77 مترًا، وتغطي واجهته 1,024 لوحة مصممة بدقة على مساحة 17,600 متر مربع، تتزين بعبارات ملهمة تعكس روح الابتكار والطموح.
الفراغ الدائري في قلب المبنى يرمز إلى المستقبل المجهول الذي لا يزال قيد الاكتشاف، فيما يعكس الشكل العام توازنًا بين الأصالة والحداثة. وقد تحوّل المبنى نفسه إلى أيقونة عالمية، تظهر في التقارير الدولية كواحد من أكثر التصاميم جرأة وتميزًا في القرن الحادي والعشرين.
متحف المستقبل والاستدامة البيئية
الاستدامة ليست مجرد شعار في متحف المستقبل، بل عنصر أساسي في تصميمه وتشغيله. إذ يتم توليد أكثر من 30% من احتياجاته من الطاقة عبر مصادر شمسية، إلى جانب اعتماد أنظمة عزل حراري متقدمة وتقنيات تبريد عالية الكفاءة وإضاءة موفرة للطاقة تعتمد على LED.
وفي عام 2023، حصل المتحف على شهادة LEED البلاتينية للتصميم البيئي وكفاءة الطاقة، ليؤكد مكانته كنموذج رائد للعمارة المستدامة في المنطقة. هذه الخطوة تعزز رسالته في أن الابتكار الحقيقي يجب أن يكون متوازنًا مع البيئة، وأن المستقبل المستدام يبدأ من التفاصيل اليومية في البناء والتشغيل.
متحف المستقبل.. من فكرة إلى منصة عالمية
تعود جذور المشروع إلى فكرة طُرحت على هامش القمم الحكومية العالمية، قبل أن يصدر إعلان رسمي بإنشائه في مارس 2015، وصولًا إلى افتتاحه عالميًا في 2022. خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، تحول متحف المستقبل إلى واحدة من أسرع المؤسسات المعرفية نموًا، وأكثر الوجهات جذبًا للزوار على مستوى العالم.
لكن النجاح، وفق القائمين عليه، لا يُقاس فقط بعدد الزوار أو الفعاليات، بل بمدى قدرته على إحداث أثر طويل الأمد، وبناء شراكات دولية تسهم في تحويل التحديات إلى فرص، وترسيخ ثقافة التفاؤل العلمي والابتكار.
متحف المستقبل.. بداية مرحلة أوسع
مع دخوله عامه الخامس، يؤكد متحف المستقبل أن ما تحقق خلال السنوات الأربع الماضية يمثل نقطة انطلاق لمرحلة أوسع وأكثر تأثيرًا. الطموح يتمثل في تعميق الحضور العالمي، وتوسيع نطاق البرامج والمنصات المتخصصة، وتعزيز دوره كمختبر حي لتجربة الحلول المستقبلية.
في عالم تتسارع فيه التحولات التكنولوجية والاجتماعية، يصبح وجود منصة تجمع بين الفكر والعمل أمرًا حاسمًا. ومتحف المستقبل يقدم نموذجًا لكيف يمكن للمؤسسات الثقافية أن تتحول إلى محركات للتغيير، ومختبرات للأفكار، ومساحات لتلاقي العقول.

بعد أربع سنوات من الإنجاز، لا يبدو أن متحف المستقبل يحتفل بالماضي بقدر ما يستعد لما هو قادم. فالمستقبل، كما يعكس اسمه، ليس محطة نهائية، بل رحلة مستمرة من الاستكشاف والعمل والإبداع.
