الإمارات – السابعة الإخبارية
مع اقتراب شهر رمضان المبارك، تتسارع وتيرة المبادرات الإنسانية وحملات جمع التبرعات في مختلف أنحاء دولة الإمارات، في مشهد يعكس روح التكافل الاجتماعي المتجذرة في المجتمع. غير أن هذا النشاط الخيري المتزايد يرافقه حرص رسمي على إحكام الرقابة وتنظيم مسارات العمل الإنساني، بما يضمن حماية أموال المتبرعين ومنع استغلال مشاعر العطاء في أنشطة غير مشروعة.
وفي هذا السياق، أرست الدولة منظومة قانونية متكاملة لتنظيم جمع التبرعات، تقوم على أسس واضحة من الشفافية والحوكمة، وتحدد الجهات المخولة بجمع الأموال، وآليات العمل، والعقوبات المترتبة على أي مخالفة، بهدف ضمان وصول التبرعات إلى مستحقيها بطرق قانونية وآمنة.

إطار قانوني واضح لتنظيم العمل الخيري
يشكل القانون الاتحادي رقم (3) لسنة 2021 بشأن تنظيم التبرعات حجر الأساس في تنظيم عمليات جمع التبرعات في الدولة. ويهدف القانون إلى حماية أموال المتبرعين، وضمان توجيهها إلى الأغراض المخصصة لها، ومنع استغلالها في أنشطة غير قانونية أو مشبوهة.
وينص القانون على عقوبات رادعة بحق المخالفين، تشمل الحبس وغرامات مالية قد تصل إلى 500 ألف درهم، في خطوة تعكس جدية الدولة في التصدي لأي تجاوزات تمس نزاهة العمل الخيري.
كما يشترط حصول الجهات الراغبة في جمع التبرعات على تصاريح رسمية من السلطات المختصة، والتي تشمل وزارة تمكين المجتمع والجهات المحلية في كل إمارة. ويقصر القانون حق جمع التبرعات على الجمعيات والمؤسسات الخيرية المرخصة رسمياً، مع إلزامها باتباع إجراءات محددة للحصول على التصاريح.
وتتضمن هذه الإجراءات تقديم بيانات تفصيلية عن الجهة القائمة على الحملة، والغرض من التبرعات، وآلية توزيع الأموال، والفئات المستفيدة منها، بما يعزز الشفافية ويضمن خضوع الأنشطة الخيرية للرقابة المؤسسية.
وسائل مشروعة ومتنوعة لجمع التبرعات
حدد القانون مجموعة من الوسائل المسموح بها لجمع التبرعات، بما يتماشى مع التطورات التقنية وأنماط التبرع الحديثة. وتشمل هذه الوسائل التبرعات النقدية والعينية والرقمية، مثل صناديق التبرعات، والكوبونات مدفوعة القيمة، والرسائل النصية القصيرة، والحفلات والمعارض والمزادات الخيرية.
كما أجاز القانون الاستقطاعات الشهرية من الحسابات المصرفية، والعروض التسويقية والترويجية المرتبطة بحملات التبرع، واستخدام أجهزة الصراف الآلي، إضافة إلى المنصات الرقمية المعتمدة من الجهات المختصة.
وفيما يتعلق بالتبرعات العينية، سمح القانون بجمع التبرعات الغذائية والدوائية وفق المواصفات المعتمدة، كما أتاح التبرع بين أفراد العائلة أو الحي لدعم الأقارب والأصدقاء المحتاجين. ويشمل ذلك أيضاً التبرع بالملابس أو الأموال للجمعيات الخيرية المرخصة، وتنظيم موائد الإفطار الرمضانية في المواقع المصرح بها.
في المقابل، حظر القانون تعهيد مطاعم أو مطابخ لتوزيع وجبات الإفطار دون الحصول على ترخيص رسمي، كما منع المشاركة أو التفاعل مع حملات تبرع غير مرخصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، نظراً لما قد تشكله من مخاطر احتيالية.

ضوابط تحويل التبرعات العينية إلى نقدية
تناولت المادة (20) من اللائحة التنفيذية للقانون ضوابط تحويل التبرعات العينية إلى نقدية عند الضرورة، حيث اشترطت الحصول على موافقة مسبقة من السلطة المختصة. ويجب أن تكون التبرعات قابلة للقياس والتحويل، مع تقديم طلب يتضمن تقدير قيمتها ومبررات التحويل، باستثناء الحالات الطارئة التي تتطلب سرعة التصرف.
كما ألزمت اللائحة الجهات المعنية بإيداع المبالغ الناتجة عن عملية التحويل في الحسابات البنكية خلال مدة لا تتجاوز سبعة أيام، تحت إشراف مباشر من الجهات المختصة، بما يعزز الرقابة المالية ويرسخ مبادئ الحوكمة في العمل الخيري.
مكافحة الحملات الوهمية والجرائم الإلكترونية
بالتوازي مع تنظيم العمل الخيري التقليدي، شدد المرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2021 بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية على تجريم جمع الأموال دون ترخيص أو نشر حملات تبرع وهمية عبر الإنترنت. وتصل العقوبات في هذه الحالات إلى السجن والغرامات التي قد تبلغ 500 ألف درهم.
ويأتي ذلك في ظل تزايد الاعتماد على المنصات الرقمية في إطلاق حملات التبرع، ما يستدعي يقظة مجتمعية ورقابية لمنع استغلال الفضاء الإلكتروني في عمليات الاحتيال.
مسؤولية مشتركة لحماية العمل الخيري
تؤكد هذه المنظومة التشريعية أن حماية العمل الخيري مسؤولية مشتركة بين الجهات الرسمية والمؤسسات الإنسانية وأفراد المجتمع. فالتزام المتبرعين بالتعامل مع الجهات المرخصة فقط، والتحقق من قانونية الحملات قبل التفاعل معها، يشكلان خط الدفاع الأول ضد أي ممارسات غير مشروعة.
ومع حلول شهر رمضان، تبرز أهمية الجمع بين روح العطاء والالتزام بالقوانين المنظمة، لضمان أن يصل الخير إلى مستحقيه، وأن يظل العمل الخيري في الإمارات نموذجاً للشفافية والثقة والتنظيم المؤسسي.
