أمريكا – السابعة الإخبارية
بورغواردت.. لم يكن أحد يتخيل أن قصة حب عابرة عبر الإنترنت يمكن أن تتحول إلى مأساة أسرية، وفضيحة اجتماعية، وقضية قضائية هزّت الرأي العام في ولاية ويسكونسن الأمريكية.
هذا بالضبط ما فعله ريان بورغواردت، الرجل البالغ من العمر 45 عامًا، الذي قرر أن يختفي من حياة أسرته وأصدقائه والعالم كله عبر خطة غريبة، تظاهر فيها بموته طوال 89 يومًا، فقط من أجل لقاء امرأة من أوزبكستان كان قد تعرف عليها على شبكة الإنترنت.
القضية التي تناولتها وسائل الإعلام الأمريكية، ومنها شبكة ABC News، لم تكن مجرد حادثة شخصية غريبة، بل أصبحت مثالًا على كيف يمكن أن يقود الهوس العاطفي، والوهم الإلكتروني، إلى تدمير حياة إنسان وعائلته في وقت واحد.

بداية الخطة: قارب في البحيرة و”موت” متخيل
في إحدى الليالي أخبر بورغواردت زوجته أنه ذاهب للتجديف في بحيرة غرين الشهيرة بعمقها، ثم اختفى. بعد ساعات قليلة، أُبلغت الشرطة عن فقدانه، وسرعان ما انتشرت أخبار غرق محتمل له، خصوصًا أن البحيرة معروفة بصعوبة العثور على جثث الغرقى فيها. بالنسبة للعائلة والأصدقاء، بدا كل شيء منطقيًا: رجل ذهب للتجديف ولم يعد. الحزن بدأ، والمجتمع استعد لتقبل الفاجعة.
لكن ما لم يعرفه أحد وقتها أن الرجل لم يغرق، بل كان يراقب ردود الأفعال عن بعد، بعد أن رتّب كل شيء مسبقًا لاختفائه. فقد ألغى خدمة تحويل الأموال من حساباته، وحصل على جواز سفر جديد، واشترى بوليصة تأمين على الحياة، في محاولة للإيحاء بأنه توفي فعلًا.
دافع خفي: علاقة عبر الإنترنت
السبب وراء هذه الخطة الغريبة لم يكن سوى رغبته في لقاء امرأة من أوزبكستان تعرف عليها عبر الإنترنت. تحقيقات الشرطة والمدعي العام في مقاطعة غرين ليك كشفت أنه كان يخطط لمغادرة البلاد، مستغلًا الفوضى التي يتركها وراءه، ليبدأ حياة جديدة مع هذه المرأة المجهولة.
المدعي العام أشار إلى أن بورغواردت تعمد استغلال طبيعة البحيرة لإقناع الجميع بوفاته، كما أجرى عمليات بحث على الإنترنت حول كيفية تحويل الأموال إلى حسابات خارجية، في محاولة لتأمين حياة جديدة بعيدًا عن عائلته وزوجته.

الانكشاف بعد 89 يومًا
لكن لا يوجد سر يدوم. بعد 89 يومًا كاملة من الاختفاء، عُثر على بورغواردت في ولاية جورجيا، حيث كان يعيش بهوية مختلفة مؤقتًا. عندها سقطت كل الأقنعة، وتبين أن “الغرق” لم يكن سوى مسرحية غريبة.
لحظة اكتشاف الحقيقة كانت صادمة للجميع: زوجته التي انتظرت خبرًا عن وفاته، أبناؤه الذين عاشوا الحداد، وأصدقاؤه الذين شاركوا في البحث عنه. كلهم وجدوا أنفسهم أمام حقيقة مرة: الرجل الذي أحبوه ووثقوا به، اختار أن يخدعهم جميعًا من أجل وهم عاطفي عبر الإنترنت.
المحاكمة والندم
في جلسة المحاكمة، وقف بورغواردت أمام القاضي وهو يقر بندمه الشديد قائلاً:
“أشعر بالخزي لما فعلت في تلك الليلة، وكل ما تسببت به لمن أحبوني.”
لكن كلمات الندم لم تشفع له، إذ قضت المحكمة بسجنه 89 يومًا، وهي المدة نفسها التي استمر خلالها في خداع الجميع. الحكم حمل رسالة واضحة: القانون لا يتساهل مع من يضلل العدالة، حتى لو كانت الدوافع شخصية أو عاطفية.
ثمن باهظ على المستوى الأسري
على الصعيد الشخصي، دفع بورغواردت ثمنًا أكبر من السجن. فزوجته التي شاركته حياة استمرت 22 عامًا، قررت إنهاء زواجهما خلال أربعة أشهر فقط من عودته. بالنسبة لها، لم يكن الأمر مجرد خيانة عاطفية، بل خيانة إنسانية عميقة، إذ اختار أن يدفنها وأبناءه أحياءً تحت صدمة موته المزعوم.
القصة لم تترك أثرها على الأسرة فقط، بل على المجتمع المحلي أيضًا. إذ وُصفت خطته بأنها “أنانية ومدمرة”، حيث ترك خلفه دائرة من الألم والمعاناة، فقط من أجل وهم.
ما وراء الحكاية: الدروس والعِبر
القضية تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول تأثير العلاقات الإلكترونية والاندفاع وراء مشاعر عابرة عبر الإنترنت. في زمن السوشيال ميديا، يمكن لأي شخص أن ينجرف وراء فكرة “حب رقمي” ويخسر الكثير على أرض الواقع.
القصة أيضًا تعكس جانبًا مظلمًا من الهروب النفسي، حيث قد يلجأ البعض إلى اختلاق سيناريوهات جذرية للهروب من ضغوط الحياة الزوجية أو الشخصية، حتى لو كانت النتيجة كارثية.
في النهاية، تحولت قصة ريان بورغواردت من محاولة “بداية جديدة” إلى درس قاسٍ عن حدود الوهم. الرجل الذي حاول الهروب من حياته، عاد إليها مكبلًا بالخزي والسجن وخسارة أسرته. أما المرأة التي خاطر بكل شيء من أجلها، فظلت مجرد شخصية غامضة في رواية لن ينساها المجتمع الأمريكي قريبًا.
وهكذا، يظل السؤال مطروحًا: كم من الأشخاص قد يكونون على استعداد لتدمير حياتهم وحياة من يحبون، من أجل لحظة عاطفة زائفة على شاشة صغيرة؟
