القاهرة، محمد الصو – السابعة الاخبارية
أم كلثوم، عاد اسم أم كلثوم ليتصدر المشهد الثقافي والإعلامي من جديد، ليس بسبب أغنية خالدة أو ذكرى فنية، بل على خلفية جدل أثاره فيلم “الست” بطولة منى زكي، وما تبعه من شائعات قديمة أُعيد تدويرها حول شخصية كوكب الشرق، وعلى رأسها اتهامها بالبُخل. هذا الجدل دفع الإعلامي المصري محمود سعد إلى الخروج عن صمته، ليقدم شهادة إنسانية وتاريخية أعادت الاعتبار لواحدة من أعظم رموز الفن العربي.
أم كلثوم ليست بخيلة… بل كريمة بلا حساب
في بث مباشر عبر حسابه على “فيسبوك”، اختار محمود سعد أن يتحدث من داخل مقهى أم كلثوم، المكان الذي يحمل رمزية خاصة لعشاق صوتها وتاريخها. من هناك، نفى بشكل قاطع ما يُشاع عن بُخل أم كلثوم، مؤكدًا أن هذه الروايات لا تستند إلى وقائع موثقة أو شهادات حقيقية، بل تتناقض تمامًا مع مواقف إنسانية ووطنية لا يمكن إنكارها.
سعد شدد على أن أم كلثوم كانت من أكثر الفنانين تبرعًا في تاريخ مصر الحديث، خصوصًا خلال فترات الأزمات الوطنية، وعلى رأسها مرحلة ما بعد نكسة 1967، حين تحولت حفلاتها داخل مصر وخارجها إلى ما يشبه الحملات الوطنية لدعم الجيش والمجهود الحربي.

حين غنّت في الكويت… وغنّى المال لمصر
من أبرز الشهادات التي استند إليها محمود سعد، قصة حفل أم كلثوم في الكويت عام 1970. في ذلك الحفل، حصلت “الست” على أجر ضخم بمقاييس ذلك الزمن، لكنها قررت التبرع به كاملًا لصالح المجهود الحربي المصري دون تردد.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. فبعد الحفل، تلقت شيكًا آخر كهدية شخصية من أحد كبار الشيوخ والأمراء، تقديرًا لمكانتها الفنية. ورغم أن المال قُدّم لها بشكل شخصي، فإنها اتخذت القرار نفسه، ووجّهت المبلغ بالكامل لدعم مصر، قائلة جملتها الشهيرة:
“أنا جاية باسم مصر”.
هذه العبارة، كما يرى سعد، تختصر فلسفة أم كلثوم في الحياة: الفن عندها لم يكن منفصلًا عن الوطن، والنجومية لم تكن يومًا مبررًا للأنانية.
مدرسة في الإحساس… لا مجرد صوت
يرى محمود سعد أن اختزال أم كلثوم في صورة نمطية عن “البخل” هو ظلم مضاعف، ليس فقط لشخصها، بل لتاريخها الفني والإنساني. فهي، بحسب وصفه، لم تكن مجرد مطربة استثنائية، بل “مدرسة كاملة” علّمت أجيالًا متعاقبة معنى الحب، والاشتياق، والخذلان، والغضب، وحتى الصمت.
“كانت بتعلمنا الحب والهمس، وبتعلمنا الغضب، وكل حاجة حلوة”، هكذا لخّص سعد أثرها، معتبرًا أن هذا العمق الإنساني لا يمكن أن يصدر عن شخصية ضيقة أو شحيحة المشاعر أو العطاء.
مقهى أم كلثوم… ذاكرة جيل كامل
لم يكن حديث محمود سعد عن أم كلثوم مهنيًا فقط، بل شخصيًا أيضًا. فقد استعاد ذكرياته مع مقهى أم كلثوم، مؤكدًا أنه كان يرتاده منذ أن كان في السادسة عشرة من عمره، يجلس مع أصدقائه ليستمعوا إلى أغاني كوكب الشرق.
وتساءل ساخرًا:
“هو معقول شاب عنده 16 سنة يسمع أم كلثوم ويطلع كفتة أو دماغه تبقى بلوظة؟”
السؤال، رغم طرافته، يحمل دلالة عميقة على تأثير أم كلثوم الثقافي، وقدرتها على تشكيل وعي أجيال كاملة، في زمن لم تكن فيه الموسيقى مجرد تسلية، بل تجربة فكرية وعاطفية.
التواضع… سر عظمة “الست”
من الصفات التي توقف عندها محمود سعد طويلاً، تواضع أم كلثوم الشديد، رغم ما وصلت إليه من مجد وشهرة. واستشهد بما رواه الموسيقار الراحل بليغ حمدي، الذي أكد أن أم كلثوم كانت ترى أن “أصعب ما في الحياة هو الكِبر”، وأن الغرور كان خطًا أحمر لا تسمح لنفسها بتجاوزه.
بل إن التوتر كان يلازمها قبل كل صعود إلى المسرح، رغم تصفيق الجماهير وانتظارهم لها بالساعات. كانت، بحسب ما نُقل عنها، تخاف من الجمهور احترامًا له، وكانت يداها تتعرقان قبل الغناء، لأنها تدرك أن هذا الجمهور هو صاحب الفضل الحقيقي.

لمسة إنسانية لا تُنسى
ومن المواقف الإنسانية التي أشار إليها سعد، قصة شاب صغير دُعي للوقوف بجانبها وشعر برهبة شديدة. لاحظت أم كلثوم توتره، فبادرت بدعوته للوقوف جوارها لتخفف عنه، مؤكدة له أنها تشعر بالخوف مثله تمامًا.
هذا المشهد البسيط، في نظر كثيرين، يلخص شخصية أم كلثوم: إنسانة تدرك ضعف الآخرين، ولا تتعامل من برج عاجي، مهما علت مكانتها.
“الست” في السينما… بين النجاح والجدل
على الجانب السينمائي، يواصل فيلم “الست” تحقيق إيرادات جيدة، إذ سجل مؤخرًا 800 ألف جنيه في ليلة واحدة، ليقترب إجمالي إيراداته من 27 مليون جنيه. ورغم هذا النجاح التجاري، لم يسلم الفيلم من موجة انتقادات حادة، اتهمه البعض فيها بالإساءة إلى صورة أم كلثوم، أو تقديمها بشكل يفتقر إلى الإنصاف التاريخي.
الجدل حول الفيلم أعاد فتح نقاش أوسع: كيف يجب أن تُقدَّم الرموز الفنية الكبرى على الشاشة؟ وهل يحق للدراما أن تتصرف بحرية مطلقة مع سِيَر من شكّلوا وجدان أمة كاملة؟
أم كلثوم… أكبر من الشائعات
في النهاية، تبقى أم كلثوم أكبر من أي اتهام عابر أو صورة نمطية. تاريخها الفني، ومواقفها الوطنية، وإنسانيتها التي شهد بها من عرفوها، تشكل ردًا كافيًا على كل ما يُقال. وربما يكون الجدل الحالي فرصة جديدة لإعادة قراءة سيرة “الست” بعيون أكثر إنصافًا، بعيدًا عن الأحكام السطحية، وقريبًا من الحقيقة التي صنعتها بنفسها… صوتًا وفعلاً.
