الإمارات – السابعة الإخبارية
لم يعد صعود المؤثرين وصنّاع المحتوى ظاهرة عابرة مرتبطة بالترفيه أو البحث عن الأضواء، بل بات انعكاساً لتحوّل عميق في بنية القوة داخل المجتمعات الحديثة. ففي السنوات الأخيرة، انتقل التأثير من كونه امتيازاً حصرياً للمؤسسات الكبرى إلى مساحة مفتوحة يتصدرها الأفراد، مدفوعين بمنصات رقمية كسرت احتكار الصوت والرواية. وفي هذا السياق، تبرز قمة «Billion Followers Summit» في دبي كحدث يتجاوز طابعه الإعلامي، ليعكس تحوّلاً بنيوياً في طريقة إنتاج النفوذ والقيمة والعمل.
سوسيولوجياً، يمكن النظر إلى هذه القمة بوصفها مرآة لانتقال مركز التأثير من الهياكل التقليدية – مثل الإعلام الكلاسيكي، والأحزاب، والنخب الثقافية – إلى الأفراد. فاليوم، يستطيع شخص واحد، بهاتف ذكي وخطاب مقنع، أن يحشد جمهوراً يفوق ما كانت تحققه مؤسسات راسخة خلال عقود. هذا التحول لا يعني بالضرورة نهاية المؤسسة، لكنه يشير إلى تراجع احتكارها للخطاب العام، وصعود نموذج جديد يقوم على العلاقة المباشرة بين الفرد والجمهور.

ولا يقتصر هذا التغيير على تطور التكنولوجيا وحدها، بل يرتبط بتحول أعمق في أنماط الثقة. فالجمهور المعاصر بات يميل إلى القصص الشخصية والتجارب المباشرة، ويرى فيها صدقية أكبر من الخطابات الرسمية المجرّدة. وبهذا المعنى، يصبح المؤثر وسيطاً اجتماعياً جديداً، يملأ فجوة الثقة بين الناس والمؤسسات، ويعيد تعريف مفهوم السلطة الرمزية بوصفها قوة موزّعة أفقياً، لا مركزية.
اقتصادياً، تكشف هذه الظاهرة عن نضوج ما يُعرف باقتصاد المحتوى أو اقتصاد المبدعين. فالمحتوى لم يعد مجرد أداة مساندة للتسويق، بل تحوّل إلى قطاع اقتصادي متكامل، يولّد فرص عمل ويستقطب استثمارات ضخمة. وتشير تقديرات مؤسسات أبحاث دولية إلى أن هذا الاقتصاد تجاوز مئات المليارات من الدولارات، مع معدلات نمو سنوية مرتفعة، ما يؤكد أن التأثير الرقمي أصبح مورداً اقتصادياً قائماً بذاته، لا يقل أهمية عن القطاعات التقليدية.
في هذا الإطار، تحمل استضافة دبي لهذه القمة دلالات تتجاوز التنظيم أو الاستعراض. فالمدينة تسعى إلى ترسيخ موقعها كمركز عالمي للاقتصاد الرقمي، من خلال تشريعات مرنة، وبنية تحتية متقدمة، وبيئة جاذبة للمواهب العابرة للحدود. الرسالة الضمنية هنا واضحة: التأثير لم يعد شأناً ثقافياً أو ترفيهياً فحسب، بل أداة من أدوات التنافس الاقتصادي والقوة الناعمة. ومن ينجح في تنظيم هذا التأثير واستثماره، يحجز لنفسه موقعاً متقدماً في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد.
لكن هذا التحول لا يخلو من إشكاليات. فتصاعد نفوذ الأفراد يطرح أسئلة أخلاقية ومعرفية ملحّة: من يضع المعايير؟ ومن يراقب المحتوى؟ وكيف يمكن حماية الفضاء العام من التضليل أو الابتذال دون خنق حرية التعبير؟ هنا تبرز أهمية مثل هذه القمم، ليس بوصفها منصات احتفاء فقط، بل ساحات نقاش تبحث في أطر تنظيمية وأخلاقية تضمن أن يتحول التأثير إلى قيمة مضافة للمجتمع، لا إلى فوضى رقمية.
بالنسبة إلى العالم العربي، ولبنان على وجه الخصوص، تكتسب هذه التحولات معنى مضاعفاً. ففي ظل تراجع دور المؤسسات التقليدية، وأزمات الاقتصاد والإعلام، يبرز الفرد الرقمي كفاعل بديل قادر على تجاوز الحدود المحلية والوصول إلى جمهور عالمي. غير أن هذه الفرصة تحمل تحدياً مزدوجاً: هل يتحول الحضور الرقمي إلى أداة لإنتاج المعرفة والوعي، أم يبقى محصوراً في دائرة الاستهلاك السريع؟ وهل يستطيع الفرد أن يسبق المؤسسة ليعيد بناءها على أسس جديدة، أم يكتفي بإزاحتها دون تقديم بديل مستدام؟

في الخلاصة، لا يمكن النظر إلى «قمة المليار متابع» كحدث عابر في روزنامة المؤتمرات، بل كإشارة واضحة إلى تحوّل تاريخي في العلاقة بين الفرد والمؤسسة، وبين المجتمع والاقتصاد.
نحن أمام زمن يُقاس فيه النفوذ بعدد المتابعين، لكن قيمته الحقيقية تُقاس بعمق الرسالة والأثر. والسؤال الجوهري لم يعد من يملك المنصة، بل كيف نُحسن استخدام هذا التأثير قبل أن يتحول من فرصة للتقدم إلى عبء على المجتمع.
