الرياض، محمد الصو – السابعة الاخبارية
الشيخ ناصر الوادعي، رحل عن عالمنا الشيخ ناصر الوادعي، أحد أبرز المعمرين في المملكة العربية السعودية، عن عمر ناهز 142 عامًا، بعد حياة امتدت لما يقارب قرنًا ونصف القرن، شهد خلالها تحولات تاريخية كبرى على مستوى المملكة والمنطقة. عاصر الشيخ الوادعي جميع ملوك المملكة منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز، ورافق تطور البلاد في مختلف المجالات الاجتماعية والسياسية والدينية.
الشيخ ناصر الوادعي.. مسيرة عمر امتدت عبر عصور السعودية
وُلد الشيخ ناصر الوادعي في محافظة ظهران الجنوب، في ظروف صعبة، وكان يُعرف بقربه من المجتمع ومجالسته للملوك، إذ عاش جميع فترات حكمهم منذ عهد الملك عبد العزيز مرورًا بأبنائه الملوك حتى عهد الملك عبد الله. وعلى الرغم من أن الشيخ الوادعي كان يتمنى مقابلة الملك سلمان بن عبد العزيز، إلا أن أمنيته لم تتحقق قبل وفاته.
وفـــاة الشيخ ناصر الوادعي أكبر معمر في السعودية عن عمر ناهز 142 عام وقام الشيخ ناصر بالحج 40 مرة ولديه ذريّة عددها 134 شخص وتزوج للمرة الأخيرة وهو بعمر 110 عام وأنجب طفلة pic.twitter.com/0LmmVa7CLy
— سوني الحلبوسي-sooni al-halbousi (@sooni_1) January 11, 2026
لقد كانت حياته شاهدة على تحولات كبرى في المملكة، حيث عاش مراحل التوحيد وبناء الدولة الحديثة، وشارك مع أبناء جيله تجارب المجاعة والفقر والحياة القاسية، قبل أن يشهد النمو الاقتصادي والاجتماعي للمملكة وتطور بنيتها التحتية الحديثة.

حياة قاسية وبداية يتيمة
عاش الشيخ الوادعي طفولة صعبة، إذ وُلد يتيم الأب بعد وفاة والده وهو في بطن أمه. وقد أجبره فقدان والده على مواجهة تحديات الحياة منذ الصغر، واضطر للتنقل بين السعودية واليمن لكسب الرزق، في رحلة كفاح طويلة وصعبة، شكلت ملامح شخصيته الصلبة والمثابرة على مدار حياته.
بالرغم من صعوبة بداياته، استطاع الشيخ الوادعي أن يبني حياته على مبادئ الصبر والاجتهاد، ليصبح لاحقًا رمزًا للحكمة والاحترام في مجتمعه. تميزت حياته بالتواضع، وكان قريبًا من الناس في كافة المناسبات، حتى في أحلك الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
الأسرة والزواج في عمر متقدم
تزوج الشيخ ناصر الوادعي عدة مرات خلال حياته، وكان آخر زواج له في سن 110 أعوام، وأنجب من زوجته الأخيرة فتاة، في واقعة نادرة لاقت اهتمامًا واسعًا في وسائل الإعلام. وقد عكست هذه الواقعة صحة الشيخ الجيدة وقوته البدنية اللافتة رغم تقدمه الكبير في العمر، ما جعله محط إعجاب الكثيرين الذين تابعوا حياته عن كثب.
ترك الشيخ الوادعي إرثًا عائليًا كبيرًا، حيث بلغ عدد أحفاده نحو 134 حفيدًا، ما يعكس استمرارية عائلته على مر الأجيال، ويشكل امتدادًا لتجربته الطويلة في الحياة، والتي كانت مليئة بالتحديات والنجاحات على حد سواء.
سر طول العمر ونمط الحياة
كان الشيخ ناصر الوادعي مثالًا على أسلوب الحياة الصحي والطبيعي، إذ حرص على تناول أطعمة طبيعية يوميًا، مثل الذرة والشعير والسمن واللبن والعسل والزبيب، وهو ما ساهم في حفاظه على ذاكرة قوية ونشاط بدني وحيوي حتى أيامه الأخيرة.
إضافة إلى ذلك، تميز الشيخ بأسلوب حياة معتدل، حيث كان يقضي معظم وقته في العبادة وأعمال الخير، ويحرص على تقديم النصح والمشورة لكل من يلجأ إليه، كما كان معروفًا بحكمته وقدرته على حل النزاعات وإصلاح ذات البين بين الناس.
الحكمة والتسامح
عرف الشيخ ناصر الوادعي بحكمته وتسامحه، وكان يُعتبر مرجعًا اجتماعيًا لكثير من الناس في مجتمعه، سواء في الشؤون العائلية أو النزاعات القبلية أو مسائل الحياة اليومية. لقد جسد الشيخ نموذج الرجل الذي يعيش ببساطة، ويقدم خبراته وحكمته دون أن يكون مثقلًا بالتعليم الرسمي، فقد لم يكن يجيد القراءة والكتابة، ولكنه امتلك ذاكرة حادة وفهمًا عميقًا للأشخاص والمواقف.
إرث ديني واجتماعي
لم يقتصر إرث الشيخ ناصر الوادعي على حياته الأسرية والاجتماعية فقط، بل شمل أيضًا الجانب الديني، حيث أدى فريضة الحج 40 مرة خلال حياته، في مثال نادر يعكس التفاني في العبادة وحسن العناية بالنفس والصحة. كان دائمًا ملتزمًا بأداء الفروض الدينية، ويعتبر قدوة للكثيرين في الحفاظ على العبادات والحرص على التقوى والخير.
بالإضافة إلى ذلك، ساهم الشيخ الوادعي في تعزيز القيم الاجتماعية في مجتمعه، من خلال مشاركته في فض النزاعات وحل المشكلات بين الأفراد، وكان محبوبًا بين الناس لكل ما قدّمه من نصائح وإرشادات، مما جعل سيرته محط تقدير الجميع، كبارًا وصغارًا، حكامًا ومحكومين.
وداع القرن ونهاية عصر
مع رحيله عن عالمنا، يغادر الشيخ ناصر الوادعي هذا العالم بعد رحلة حياة امتدت لأكثر من 140 عامًا، محققًا بذلك لقب أحد أكبر المعمرين في المملكة العربية السعودية. لقد ترك وراءه إرثًا غنيًا من القيم والمبادئ، وعائلة كبيرة ممتدة الأجيال، وسيرة ذات أثر ديني واجتماعي عميق في مجتمعه.

رحيل الشيخ يمثل نهاية عصر، فقد عاش تجربة حياة غير مسبوقة، واجه خلالها تقلبات التاريخ، وشهد تطور المملكة منذ بدايات توحيدها حتى عصرها الحديث، ليكون شاهدًا على تاريخ طويل ومليء بالتحديات والانتصارات.
