باريس، محمد الصو – السابعة الاخبارية
متحف اللوفر، لم يكن متحف اللوفر، أيقونة الفن والتاريخ الإنساني، يتوقع أن يتحول في لحظات إلى مسرح لواحدة من أكثر عمليات السطو إحراجاً في تاريخه. فيديو جديد التُقط من كاميرات المراقبة الداخلية فجّر صدمة واسعة في فرنسا وخارجها، بعدما كشف تفاصيل دقيقة لعملية سرقة جرت في وضح النهار، وبقيمة تجاوزت 76 مليون جنيه إسترليني، وسط عجز واضح من عناصر الأمن داخل المتحف.
متحف اللوفر… حين صمتت القاعات وتكلمت الكاميرات
الفيديو، الذي سرعان ما انتشر على نطاق واسع، يُظهر لحظات اقتحام لصّين معرض “أبولو” في الطابق الأول من المتحف. المشهد بدا أقرب إلى فيلم سينمائي، لكن الفارق أن ما حدث كان حقيقياً بالكامل. أحد اللصين كان يرتدي قناعاً أسود وسترة صفراء عاكسة، بينما ارتدى الآخر ملابس سوداء بالكامل مع خوذة دراجة نارية، في محاولة واضحة لإخفاء هويتهما.
Surveillance footage aired by French broadcasters shows how a major jewellery heist unfolded inside Paris’s Louvre Museum on 19 October. Two suspects are seen smashing display cases with a grinder and their fists, while security guards appeared hesitant to intervene.
Nine pieces… pic.twitter.com/EZdVyPMghg
— TRT World (@trtworld) January 20, 2026
دخل اللصان بهدوء لافت، وكأنهما يعرفان جيداً حدود الزمن المتاح لهما. استخدما قواطع أقراص عالية الطاقة لكسر نافذة مقواة، ثم شرعا في تحطيم واجهات العرض الزجاجية واحدة تلو الأخرى، دون أن يعترضهما أحد.
![]()
“اللحظة المحرجة” في تاريخ اللوفر
ما جعل الفيديو صادماً بحق لم يكن جرأة اللصوص فحسب، بل رد فعل الحراس. في زاوية المعرض، يظهر عدد من رجال الأمن متجمعين، يراقبون ما يحدث من مسافة قريبة دون تدخل فعلي. أحدهم كان منشغلاً بإجراء مكالمة هاتفية، بينما بدا آخر ممسكاً بحبل الحاجز وكأنه درع رمزي، قبل أن يتقدم بخطوات مترددة ثم يتراجع في اللحظة الأخيرة.
استمرت عملية السرقة قرابة أربع دقائق كاملة، وهي مدة كافية في عالم الأمن لتغيير مسار الحدث، لكن شيئاً لم يحدث. اللصوص واصلوا تحطيم الواجهات وسرقة المجوهرات النادرة، فيما ظل الحراس في موقعهم، عاجزين عن إيقاف ما يجري أمام أعينهم.
اللوفر بين الأمن والسلامة: قرار مكلف
إدارة متحف اللوفر سارعت لاحقاً إلى توضيح موقفها، مؤكدة أن الحراس غير مدربين على مواجهة لصوص مسلحين أو محترفين، وأن البروتوكول المعتمد يضع سلامة الزوار في المقام الأول. في حال وقوع أي تهديد، يُطلب من الموظفين التركيز على إخلاء القاعات وتأمين الجمهور، لا الاشتباك مع المهاجمين.
هذا التبرير لم يُقنع كثيرين. فبالنسبة للرأي العام، يصعب تقبل فكرة أن متحفاً بحجم اللوفر، يستقبل ملايين الزوار سنوياً ويضم كنوزاً لا تُقدّر بثمن، يفتقر إلى آليات ردع فعّالة أو خطط تدخل سريعة في مثل هذه الحالات.
ثغرات خلف الكواليس: عندما يصبح اسم المتحف كلمة مرور
الجدل لم يتوقف عند حدود الفيديو. التحقيقات اللاحقة كشفت عن ثغرات أمنية وُصفت بالخطيرة، أبرزها أن كلمة مرور خادم إدارة شبكة كاميرات المراقبة كانت ببساطة “LOUVRE”. هذا الاكتشاف فتح باباً واسعاً للانتقادات، ليس فقط بشأن الحراس في القاعات، بل حول ثقافة الأمن الرقمي داخل مؤسسة يُفترض أنها من الأكثر تحصيناً في العالم.
خبراء أمنيون اعتبروا أن المشكلة لا تكمن في خطأ فردي، بل في منظومة كاملة اعتمدت على سمعة المتحف التاريخية أكثر من اعتمادها على تحديث حقيقي للبروتوكولات الأمنية، سواء الميدانية أو الرقمية.
اللوفر والتحقيقات: خيوط تتكشف… والمجوهرات غائبة
بعد أسبوع واحد من عملية السطو، أعلنت الشرطة الفرنسية اعتقال رجلين من منطقة سين سان دوني، يُشتبه في تورطهما المباشر في السرقة. لاحقاً، وفي 25 أكتوبر 2025، تم توقيف أحد المتهمين في مطار شارل ديغول أثناء محاولته السفر إلى الجزائر، في خطوة اعتُبرت تطوراً مهماً في مسار القضية.
حتى الآن، وُجهت اتهامات إلى خمسة مشتبه بهم بتهم السرقة المنظمة والتآمر الجنائي، فيما أُطلق سراح آخرين بعد التحقيق. ورغم هذا التقدم، لا تزال المجوهرات المسروقة مفقودة، وهو ما يزيد من الغموض ويطرح تساؤلات حول ما إذا كانت القطع قد خرجت بالفعل من فرنسا، أم أنها مخبأة بانتظار فرصة للبيع في السوق السوداء العالمية.
اللوفر بعد الصدمة: أسئلة بلا إجابات
هذه الحادثة لم تكن مجرد سرقة، بل ضربة لهيبة متحف يُعد رمزاً للتراث الإنساني. كيف يمكن لمؤسسة بهذا الحجم أن تُفاجأ بعملية بهذه الجرأة؟ وهل كان الاعتماد على “الردع المعنوي” وسمعة المكان كافياً في عصر العصابات المنظمة والتكنولوجيا المتقدمة؟
اليوم، يجد اللوفر نفسه أمام اختبار صعب. فإلى جانب استعادة المسروقات، هناك حاجة ملحّة لإعادة بناء الثقة: ثقة الجمهور، وثقة المانحين، وثقة العالم في قدرة المتحف على حماية ما بين جدرانه من كنوز لا تُقدّر بثمن.
![]()
اللوفر… درس قاسٍ في زمن الجريمة الذكية
ما كشفه فيديو الكاميرات لم يكن مجرد لحظات سرقة، بل مرآة عكست فجوة بين عظمة الماضي وتحديات الحاضر. في زمن أصبحت فيه الجرائم أكثر تخطيطاً وجرأة، لم يعد التاريخ وحده كافياً لحماية الكنوز. اللوفر، بكل رمزيته، تلقى درساً قاسياً، قد يعيد رسم مفهوم الأمن في المتاحف العالمية لسنوات قادمة.
