دبي، محمد الصو – السابعة الاخبارية
محمد بن راشد، أعلن محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، اختيار الشيخ محمود خليل الحصري شخصية قرآنية عالمية ضمن جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، في خطوة تعكس تقديرًا عميقًا لإرث أحد أبرز أعلام التلاوة في العصر الحديث.
وجاء الإعلان عبر حسابه الرسمي، مؤكدًا أن الجائزة تمضي في عامها الثامن والعشرين بخدمة كتاب الله، وتكريم الحفاظ والمقرئين وكل من أسهم في نشر القرآن وتعليمه. وربط محمد بن راشد بين مسيرة الجائزة ورسالتها في تعزيز مكانة القرآن في حياة الأفراد والمجتمعات، معتبرًا أن تكريم الحصري تكريمٌ لمرحلة كاملة من تاريخ التلاوة.
محمد بن راشد يختار الشيخ الحصري بسبب مكانته
يحظى الشيخ محمود خليل الحصري بمكانة خاصة في العالم الإسلامي، فهو أحد أعلام المدرسة المصرية في التلاوة، وأول من سجل المصحف كاملًا مرتلًا بصوته، في خطوة تاريخية أسهمت في توحيد منهج القراءة وضبط أحكام التجويد بالصوت المسجل.
تميّز الحصري بأسلوب هادئ واضح النطق، يعتمد على الالتزام الدقيق بأحكام التلاوة دون مبالغة في الزخارف الصوتية. هذا النهج جعله مرجعًا لكثير من القراء والطلاب، حيث أصبحت تسجيلاته وسيلة تعليمية معتمدة في المعاهد والمراكز القرآنية حول العالم.

تكريمه اليوم يعكس اعترافًا بقيمة العمل المؤسسي في خدمة القرآن، ويعيد تسليط الضوء على دوره في نقل التلاوة من الإطار المحلي إلى الانتشار العالمي عبر التسجيلات الإذاعية والأسطوانات.
جائزة دبي الدولية للقرآن.. مسيرة 28 عامًا من العطاء
انطلقت جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم قبل نحو ثلاثة عقود، لتكون منصة عالمية لتكريم حفظة كتاب الله والمتميزين في مجالات خدمته. وخلال سنواتها الماضية، تحولت الجائزة إلى حدث سنوي ينتظره القراء والمشاركون من مختلف دول العالم.
لا تقتصر الجائزة على المسابقة التقليدية للحفظ والتلاوة، بل تشمل تكريم شخصية قرآنية عالمية، إلى جانب فعاليات ومحاضرات وأنشطة رمضانية تسهم في نشر الثقافة القرآنية وتعزيز الارتباط بالكتاب الكريم.
اختيار الشيخ الحصري هذا العام يأتي ضمن تقليد سنوي يسلط الضوء على قامات تركت بصمة واضحة في خدمة القرآن، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف على رموز شكلت وجدان الأمة بصوتها وعلمها.
ستة أصوات تتنافس على لقب «أجمل صوت»
إلى جانب تكريم الحصري، أعلن محمد بن راشد اختيار ستة قراء من نخبة الأصوات القرآنية الشابة حول العالم للتنافس على لقب «أجمل صوت» لعام 2026. المبادرة تمنح الجمهور فرصة المشاركة في التصويت، في خطوة تعزز التفاعل المجتمعي مع الجائزة.
هذه الصيغة التفاعلية تمثل تطورًا في آليات التكريم، حيث لا يقتصر القرار على لجنة تحكيم فنية، بل يصبح الجمهور شريكًا في اختيار الصوت الذي يخشع له القلب ويؤثر في النفوس.
الهدف من هذه الخطوة ليس مجرد التنافس، بل إبراز جماليات التلاوة، وتشجيع الأصوات الجديدة على الالتزام بالمنهج الصحيح في الأداء، مع الحفاظ على روح الخشوع والاتزان التي تميز المدرسة القرآنية الأصيلة.
تكريم في الثاني من مارس.. ليلة احتفاء بالقرآن وأهله
من المقرر أن يُقام حفل التكريم في الثاني من مارس، في أجواء رمضانية خاصة تحتفي بالقرآن وأهله. ويُنتظر أن يشهد الحفل حضور شخصيات دينية وثقافية، إلى جانب المشاركين في المسابقة والجمهور المهتم بالشأن القرآني.
الحفل لا يمثل مجرد مناسبة رسمية، بل محطة رمزية تؤكد مكانة القرآن في المجتمع، وتعكس حرص القيادة على دعم المبادرات التي تعزز الهوية الدينية والثقافية.
رسالة ثقافية وروحية تتجاوز حدود الجائزة
تكريم الشيخ الحصري لا يقتصر على الاعتراف بإسهامه الفردي، بل يحمل رسالة أوسع حول أهمية التوثيق الصوتي للقرآن وضبط تلاوته. فحين سجل الحصري المصحف كاملًا مرتلًا، وضع أساسًا لمرجعية صوتية يعتمد عليها الملايين حتى اليوم.
كما أن اختيار شخصية من خارج دولة الإمارات يؤكد البعد العالمي للجائزة، ويعكس رؤية تقوم على تكريم كل من خدم القرآن بغض النظر عن جنسيته أو موقعه الجغرافي.
هذا البعد العالمي يعزز صورة دبي كمركز ثقافي وديني يحتضن المبادرات ذات الطابع الإنساني والروحي، ويمنحها امتدادًا يتجاوز الإطار المحلي.
الشيخ الحصري.. مدرسة في التجويد والانضباط
عُرف الحصري بانضباطه الشديد في تطبيق أحكام التجويد، وحرصه على تعليم الأجيال قواعد القراءة الصحيحة. لم يكن صوته يعتمد على العاطفة وحدها، بل على العلم والدقة، ما جعله قدوة في الجمع بين الجمال الفني والالتزام الشرعي.
انتشرت تسجيلاته في الإذاعات العربية، وأصبحت جزءًا من الذاكرة السمعية لرمضان في بيوت كثيرة. ومع مرور الزمن، ظل اسمه حاضرًا في حلقات التحفيظ والدروس، باعتباره نموذجًا للاتقان والوقار.
تكريمه اليوم يذكّر الأجيال الجديدة بقيمة هذا النهج، ويعيد الاعتبار لفكرة أن التلاوة ليست أداءً صوتيًا فحسب، بل رسالة ومسؤولية.
تعزيز الهوية القرآنية في المجتمع
تأتي هذه المبادرة في سياق أوسع يعكس اهتمامًا رسميًا بتعزيز القيم الروحية في المجتمع، خاصة خلال شهر رمضان. فالمسابقات والجوائز القرآنية تمثل وسيلة عملية لترسيخ مكانة القرآن في الحياة اليومية، وتشجيع الشباب على حفظه وتجويده.
كما أن إشراك الجمهور في التصويت يخلق حالة من التفاعل الإيجابي، ويجعل الحدث جزءًا من النقاش المجتمعي، بدل أن يكون فعالية مغلقة.
بين الإرث والتجديد
يجمع الإعلان بين تكريم رمز من الماضي واستشراف أصوات المستقبل. فمن جهة، يتم الاحتفاء بإرث الشيخ الحصري الذي أسهم في تشكيل وجدان أجيال، ومن جهة أخرى، يتم فتح الباب أمام أصوات جديدة تحمل الراية وتواصل المسيرة.
هذا التوازن بين الإرث والتجديد يعكس فلسفة تقوم على احترام التاريخ دون الجمود عنده، وإتاحة الفرصة للمواهب الشابة لتثبت حضورها ضمن إطار منضبط يحافظ على أصالة التلاوة.
رسالة تقدير لرواد خدمة القرآن
في النهاية، يمثل إعلان محمد بن راشد تكريمًا معنويًا لكل من أفنى عمره في خدمة كتاب الله. فاختيار الشيخ الحصري كشخصية قرآنية عالمية يسلط الضوء على قيمة الإخلاص والعلم والعمل الدؤوب.
كما يؤكد أن خدمة القرآن ليست مرتبطة بزمن معين، بل تمتد آثارها عبر العقود، لتظل الأصوات الصادقة حاضرة في القلوب حتى بعد رحيل أصحابها.

وهكذا، يتحول التكريم إلى رسالة وفاء، تذكّر بأن أعظم ما يخلّده الإنسان هو أثره الطيب وعلمه النافع. وبين صوت الحصري الذي ما زال يتردد في المساجد والبيوت، ومبادرة محمد بن راشد التي تعيد تسليط الضوء على هذا الإرث، تتجدد الصلة بين الماضي والحاضر في احتفاء يليق بكلام الله وأهله.
