الإمارات، محمد الصو – السابعة الاخبارية
وزارة التربية والتعليم، في خطوة تنظيمية شاملة تعكس توجهًا واضحًا نحو ترسيخ بيئة تعليمية منضبطة وآمنة، أعلنت وزارة التربية والتعليم اعتماد لائحة محدثة لانضباط سلوك الطلبة خلال العام الدراسي الجاري، متضمنة تعديلات جوهرية أعادت صياغة منظومة المخالفات والعقوبات، ورفعت سقف المساءلة بما يواكب تطورات الواقع المدرسي ويعزز منظومة القيم داخل المجتمع التعليمي.
عرض هذا المنشور على Instagram
اللائحة الجديدة لا تمثل مجرد تحديث إجرائي، بل تعكس رؤية متكاملة تهدف إلى تحقيق التوازن بين الإصلاح التربوي والحزم الإداري، مع ضمان العدالة وتكافؤ الفرص لجميع الطلبة.
وزارة التربية والتعليم.. إعادة تصنيف المخالفات: خمس درجات بدلًا من أربع
أبرز ما تضمنته اللائحة استحداث فئة خامسة للمخالفات، ليصبح التصنيف قائمًا على خمس درجات متفاوتة من حيث الخطورة، بدلًا من أربع كما كان معمولًا به سابقًا. ويأتي هذا التعديل ليمنح منظومة الانضباط دقة أكبر في توصيف السلوكيات، ويتيح التعامل معها وفق معايير أكثر وضوحًا وتدرجًا.
وتدرجت المخالفات من الدرجة الأولى (البسيطة) وصولًا إلى الدرجة الخامسة (عالية الخطورة)، مع تحديد إجراءات تربوية وإدارية تصاعدية لكل فئة، بما يضمن عدم القفز إلى العقوبات القصوى قبل استنفاد فرص التوجيه والإصلاح.

قفزة في خصم الدرجات: رسالة واضحة بالحزم
شهدت اللائحة تشديدًا ملحوظًا في سقف خصم الدرجات السلوكية، في إطار توجه أكثر صرامة لتعزيز الانضباط داخل المدارس.
- ارتفع خصم مخالفات الدرجة الأولى إلى 5 درجات بدلًا من 4.
- زادت مخالفات الدرجة الثانية إلى 10 درجات بدلًا من 8.
- قفزت مخالفات الدرجة الثالثة إلى 20 درجة بعد أن كانت 12.
- تضاعفت مخالفات الدرجة الرابعة إلى 40 درجة بدلًا من 20.
- واستُحدثت الدرجة الخامسة بخصم يصل إلى 60 درجة، وهي الأعلى في سلم الجزاءات.
هذا التصاعد الواضح في العقوبات يعكس رسالة مباشرة مفادها أن السلوك لم يعد عنصرًا ثانويًا، بل جزءًا أساسيًا من تقييم الطالب ومساره التعليمي.
المخالفات البسيطة: تقويم قبل العقوبة
شملت مخالفات الدرجة الأولى سلوكيات يومية غير جسيمة، مثل عدم الالتزام بالزي المدرسي، أو إحضار الأدوات، أو الإخلال بالهدوء داخل الفصل، أو النوم أثناء الحصص دون عذر صحي، أو سوء استخدام الأجهزة الإلكترونية.
ورغم بساطة هذه المخالفات نسبيًا، فإن التعامل معها يتم عبر آلية تصاعدية تبدأ بالتوجيه الشفهي وإبلاغ ولي الأمر، ثم خصم الدرجات مع إنذارات خطية عند التكرار، وصولًا إلى تحويل الطالب إلى المرشد الأكاديمي أو الاختصاصي الاجتماعي في حال استمرار السلوك.
ويؤكد هذا النهج أن الهدف الأساسي هو التقويم والإرشاد قبل العقاب.
المخالفات متوسطة الخطورة: ضبط السلوك داخل الحرم المدرسي
تضمنت الدرجة الثانية مخالفات مثل نقل الواجبات ونسبتها للنفس، إدخال الهاتف المحمول، العبث بممتلكات المدرسة، الشجار بين الطلبة، أو ممارسة أنشطة تجارية دون إذن.
وتم اعتماد إجراءات أكثر حزمًا تبدأ بخصم 10 درجات وإنذار خطي، ثم تتصاعد باستدعاء ولي الأمر وتوقيعه على الإنذار، وصولًا إلى إنذار نهائي وخطة متابعة سلوكية ملزمة بإشراف المختصين.
ويعكس هذا المستوى من الإجراءات إدراك الوزارة لأهمية التدخل المبكر قبل تفاقم السلوك.
المخالفات الخطيرة: حماية الأفراد وسمعة المؤسسة
في الدرجة الثالثة، شملت المخالفات أفعالًا تمس سلامة الأفراد أو سمعة المدرسة، مثل التنمر، الهروب من المدرسة، التشهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الاعتداء الجسدي غير المفضي لإصابة، التدخين، أو تخريب الممتلكات.
وتبدأ الإجراءات هنا بإيقاف الطالب وخصم 20 درجة مع إنذار خطي، وتتدرج إلى إيقاف متكرر وتحويل الحالة إلى لجنة إدارة السلوك، مع إمكانية الإيقاف لعدة أيام وتحميل ولي الأمر تكاليف الأضرار.
هذا المستوى يعكس انتقال المعالجة من التوجيه التربوي البحت إلى المساءلة الإدارية الواضحة.
المخالفات شديدة الخطورة: لا تساهل مع التجاوزات الجسيمة
تضم الدرجة الرابعة مخالفات جسيمة مثل الاعتداء على الكادر التعليمي، التحرش، السرقة المنهجية، تسريب أسئلة الامتحانات، إشعال الحرائق، تعاطي المخدرات، أو الاعتداء المفضي إلى إصابات.
وتتسم الإجراءات هنا بالشدة، إذ يتم استدعاء ولي الأمر فورًا، وإيقاف الطالب عن الدراسة لحين انتهاء التحقيق، مع إمكانية إيقاف قيده أو فصله نهائيًا بعد استنفاد جميع الوسائل التربوية.
ويعكس ذلك التزام الوزارة بحماية المجتمع المدرسي وعدم التهاون مع السلوكيات التي تهدد أمنه واستقراره.
الدرجة الخامسة: أفعال تمس الأمن المجتمعي والقيم الوطنية
استحداث الدرجة الخامسة يُعد أبرز ملامح اللائحة الجديدة، إذ تشمل مخالفات بالغة الجسامة مثل الترويج للمخدرات أو المسكرات، الإساءة للأديان أو الرموز الوطنية، إثارة الفتن، أو جلب الأسلحة.
ويصل خصم الدرجات في هذه الفئة إلى 60 درجة، مع اتخاذ إجراءات قانونية صارمة بالتنسيق مع الجهات المختصة، نظرًا لارتباط هذه الأفعال بجرائم يعاقب عليها القانون.
ويمثل هذا التصنيف رسالة حاسمة بأن المدرسة بيئة تربوية مصونة بالقيم الوطنية والدينية، ولن يُسمح بتجاوزها تحت أي ظرف.
السلوك جزء من النجاح أو الرسوب
أكدت إدارات مدرسية أن مادة السلوك أصبحت عنصرًا أساسيًا ضمن منظومة التقييم المعتمدة رسميًا، ما يعني أن التزام الطالب لا يؤثر فقط في صورته السلوكية، بل يمتد إلى مستقبله الأكاديمي.
وتمت مخاطبة أولياء الأمور رسميًا للاطلاع على تفاصيل اللائحة، والتعاون في متابعة أبنائهم، بما يعزز الشراكة بين الأسرة والمدرسة في بناء شخصية الطالب.
هذا التوجه يعزز مفهوم المسؤولية المشتركة، ويجعل الانضباط قيمة يومية مترسخة، لا مجرد بند إداري.
شراكة الأسرة ركيزة أساسية
حرصت الوزارة على إشراك أولياء الأمور في جميع مراحل الإجراءات، سواء عبر الإبلاغ الشفهي أو الإنذارات الخطية أو الاجتماعات المباشرة. كما فُعّل دور المرشد الأكاديمي والاختصاصي الاجتماعي في دراسة الحالات السلوكية ووضع خطط علاجية فردية.
ويؤكد ذلك أن المنظومة لا تستهدف العقاب بقدر ما تهدف إلى بناء سلوك إيجابي مستدام، يعزز القيم ويحصّن الطلبة ضد السلوكيات السلبية.
رؤية متكاملة لبيئة تعليمية آمنة
من خلال هذه التحديثات، ترسّخ وزارة التربية والتعليم بالإمارات إطارًا تنظيميًا دقيقًا يوازن بين الحزم والعدالة، وبين الردع والإصلاح. فالمدرسة ليست فقط مكانًا للتحصيل العلمي، بل بيئة لصناعة الشخصية وترسيخ القيم.
اللائحة الجديدة تمثل تحولًا نوعيًا في إدارة السلوك المدرسي، وتعكس إيمانًا بأن الانضباط مسؤولية جماعية، وأن بيئة التعليم الآمنة هي الأساس الذي تُبنى عليه جودة المخرجات التعليمية واستقرار المجتمع المدرسي بأكمله.

وبهذا النهج المتدرج والحازم، تمضي الوزارة نحو تعزيز ثقافة احترام النظام، وصون القيم، وضمان بيئة تعليمية مستقرة تدعم التفوق الأكاديمي والتربية المتوازنة في آن واحد.
